فصل: 1 - العبادات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المعجزة الكبرى القرآن



.الأحكام الفقهية في القرآن:

.1 - العبادات:

187 - قد ذكر القرآن الأوامر التكليفية في العبادات بالإجمال، ولم يتعرض لها بالتفصيل كما أشرنا من قبل، فالصلاة تعرَّض النصُّ القرآني لها بالأوامر بالتكليف بها، والغاية منها، وهو إصلاح النفوس، وتزكية القلوب، وتربية الوجدان، كما قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45]، وكما قال تعالى في وجوبها ووجوب الوضوء والاغتسال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6].
وجاء الأمر المؤكَّد بالصلاة في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238].
وكذلك كان الأمر بالزكاة مجملًا، ولم يبيِّن القرآن شيئًا من أحكامها ونصابها ومقاديرها، ولم تذكر إلَّا مصارفها في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
والحج من العبادات التي لم تبيَّن أحكامها كلها تفصيلًا، بل ذكر القرآن بعضها، وإن لم يكن قليلًا، وبَيِّنَ صلى الله تعالى عليه وسلم سائرها.
وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «خذوا عنِّي مناسككم». لقد بيِّن القرآن أركان الحج وأشهره ومواقفه، والنبي عليه الصلاة والسلام فصَّل واجباته، وكن بيانه أكثره عملي.
ومن العبادات الصوم، وقد طالب القرآن به إجمالًا، وذكر وقته، والأعذار التي تبيح الفطر في الجملة، وأشار سبحانه إلى حكمة اختيار شهر رمضان لفرضية الصوم، كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
وهنا يرد على الخاطر سؤال: لماذا بيَّنَت العبادات بالقرآن إجمالًا مع تأكيد طلبها، والتفصيل فيها - إن استثنيت الحج - كان قليلًا، ولا يمكن أن تقال العبادة على وجهها مع ذلك الإجمال.
والجواب عن ذلك: إنَّ العبادات هي لب الدين، وهو قوام اليقين، وهي ذكر الله الذي به تطمئن القلوب، وهي التي تربِّي الضمير وتنيره وتقيمه، وهي التي تربي الضمير الجماعي، والوجدان الإنساني، وروح التعاون بين الناس بعضهم مع بعض.
والعبادات هي قوام الجماعات؛ لأنَّ تكوين الجماعات لا يكون إلَّا بأمر معنوي يؤلف بينهم، ويزيل النفرة، وذلك بأن يكون المؤمن ربانيًّا يتجه إلى رب الخلق، ويسير على ميزان الحق.
ولهذه المعاني في العبادات، وعموم تطبيقها على كل المؤمنين، كان لا بُدَّ من تربية عملية عليها، وقدرة حسنة في تنفيذها، وأسوة من الرسول في القيام بها، وأن تتوارث تلك الأسوة الأجيال، وتكون مع القرآن اتصال الرسالة المحمدية، ولذلك تثبت أحكام العبادات التفصيلية بسنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المتواترة التي عرفها المسلمون جمعًا عن جمع باقية إلى يوم القيامة.
ولا شيء من العبادات يثبت بالقياس، بل يثبت بإيجاب القرآن، وعمل الرسول عليه الصلاة والسلام.

.2 - الكفارات:

188 - الكفارات، وهي تأخذ جانبيين: جانب العقوبة المادية على ذنب ارتكب، أو خطأ ترتَّب عليه أذى غيره، وكان يجب الاحتراس من ذلك، والجانب الثاني فيها معنى التقرب إلى الله تعالى بالتوبة مقرونة بذلك الجزاء، ولقربها من العبادات ذكرناها بجوارها، وفوق ذلك هي ردء لتقصير في العبادات نفسها، فهي في هذه جزء منها.
وعلى ذلك نقسمها من هذه الجهة إلى قسمين: أحدهما تعويض عن التقصير في بعض العبادت، أو استعمال الرخص، أو العجز الكامل عن أداء الفرض، ومن هذا القبيل رخصة الإفطار للمريض بمرض مزمن، والشيخ الفاني والشيخة إذا عجزا عن الصيام أو كانا لا يصومان إلَّا بمشقة فوق الطاقة، وقد ثبتت هذه الفدية بالقرآن الكريم، قال تعالى فيه: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] أي الذين يبلغون في صومهم أقصى الطاقة التي لا يمكن المداومة على تحملها، ولذا قال ابن عباس: إنها نزلت في الشيخ والشيخة إذا شق عليهما الصوم. ومن الفدية التي تعد كفارة لبعض التقصيرات في العبادات الهَدْي في حال عدم القيام ببعض الواجبات التي لا تُعَدُّ ركنًا من أركان الحج، وقد ثبت ذلك بالقرآن الكريم، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك كفارة الصيد في الأشهر الحرم، وقد ثبت ذلك بالقرآن الكريم، إذ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة: 94 - 96].
وهكذا نرى أنَّ الكفَّارات هنا ثابتة بالقرآن الكريم، وهي في موضوع، وهي سد لنقص، أو لاعتداء في عمل ما نهى الله - تبارك وتعالى - عنه.
وبجوار هذا النوع من الكفَّارات التي كانت درءًا لنقص أو لرخصة أو لعدم الاستجابة لأمر وموضوعها العبادة، هناك كفارات أخرى هي في معنى العبادات في ذاتها، ولكنَّها شرعت لمعنى خلقي أو اجتماعي أو لحقوق العباد، وهذا هو القسم الثاني.
ومن ذلك كفارة اليمين، وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، وقد ثبت ذلك بقوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89].
ونرى أن هذه الكفارة شرعت لمعنى خلقي، وهو صيانة الألسنة عن كثرة الإيمان وإخلافها، والتعرض للمهانة، كما قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم: 10]، وأيضًا لكيلَا يتَّخذ المؤمنون يمين الله حاجزًا بينهم وبين فعل الخير إن حلفوا، وبدا الخير في غير ما حلفوا عليه، فشرع لهم تلك الكفارة تَحِلَّة لأيمانهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من حلف على شيء فرأى خيرًا منه، فليحنث وليكفر».
وإنَّ الكفارة ذاتها عبادة بدليل أنَّها كانت صومًا في بعض أحوالها.
ومن الكفَّارات التي ذكرت في القرآن علاجًا إحياء للأسرة، ولمنع الظلم عن المرأة كفارة الظهار، وهي كفارة من يحرِّم امرأته على نفسه، ويجعلها كإحدى محارمه من غير إرادة طلاق، وما كان لشريعة القرآن أن تترك المرأة المظلومة فريسة لكلمات ينطق بها اللسان إيذاء وظلمًا، ولا يترك المتكلم بها من غير عقاب لغوًا عابثًا، بل لا بُدَّ من ردِّ الحق، وعقاب العابث، فكانت الكفارة، وتثبت بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 3، 4].
ونرى أنَّ هذه الكفارة فيها إقامة للحياة الزوجية على دعائم من المودة والإنس النفسي من غير إيحاش ولا إعنات؛ لأن النطق بهذه الكلمات وأشباهها يلقي بالجفوة في قلب الزوجة فلا تطمئنُّ إلى زوجها، ولا إلى الحياة الزوجية الكريمة المتوادة، ولهذا كانت تلك الكفارة محافظة على هذه المعاني.
ومن الكفارات التي نصَّ عليها القرآن الكريم كفارة القتل الخطأ، فإن الله أوجب الدية تعويضًا لأسرة المقتول، وأوجب الكفارة إذا كان القاتل المخطئ من أهل التكليف، وذلك لتعويض جماعة المؤمنين، ولتربية النفس على الاحتراز من الخطأ، والاحتياط له، ولقد قال سبحانه وتعالى - في ذلك: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92].
وواضح أنَّ الدية لتعويض الأسرة وهي تجب على أسرة الجاني لأسرة المجني عليه، وفي وجوبها على أسرة الجاني معنى التعاون الاجتماعي بين الأسرة في دفع الأذى، والحمل على المعاونة في التأديب النفسي.
والكفارة فيها تعويض لجماعة المؤمنين؛ لأنَّه يقتله لمؤمن قد نقص عدد المؤمنين، فكان الواجب أن يعوّض ما نقص بعتق رقبة مؤمنة؛ لأن العتق إعطاء الحرية، والحرية كالحياة.
وفي الجملة أنَّ الكفارات كلها التي جاء بها القرآن وبيَّنَتها السنة النبوية فيها معنى العبادة، وفيها صلاح، وفيها تعاون اجتماعي إنساني.